سيد بدري يكتب: بين “المهادنة” و”المواجهة”
في تطور استراتيجي لافت، بدأت الإدارة الأمريكية ودوائر صنع القرار في الغرب بتبني رؤية أكثر حزماً وواقعية تجاه جماعة الإخوان المسلمين، حيث تشير الوثائق والتقارير الاستراتيجية الأخيرة إلى انتقال واشنطن من مرحلة “التغاضي” أو “المهادنة” إلى مرحلة “الاتهام الفكري”، واضعةً الجماعة في دائرة المساءلة كحاضنة أساسية للتطرف.
لم يعد السؤال في أروقة مراكز الأبحاث الأمريكية يدور حول “اعتدال” الجماعة من عدمه، بل أصبح السؤال الجوهري يتمحور حول دورها كـ “مختبر للأفكار المتطرفة” التي تتغذى عليها تنظيمات مثل القاعدة وداعش.
من “الاعتدال المزعوم” إلى “الخطر الكامن”
لعقود طويلة، تبنت أجزاء واسعة من النخبة السياسية الغربية أطروحة مفادها أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل “الإسلام السياسي المعتدل” الذي يمكنه أن يشكل حائط صد ضد حركات الجهاد العالمي الأكثر عنفاً.
كان هذا المنطق هو المحرك الرئيسي للعديد من التوجهات الأمريكية، لا سيما في فترات الربيع العربي. ومع ذلك، تكشف الوثائق الاستراتيجية الأمريكية الحديثة عن مراجعة نقدية عميقة لهذا الافتراض.
لقد خلصت هذه القراءات الجديدة إلى أن الفصل بين “الجناح السياسي” (الإخوان) و”الجناح العنيف” (القاعدة أو داعش) هو فصل مصطنع لا أساس له في الواقع الفكري.
فالتنظيمات الجهادية لم تخرج من فراغ، بل هي نتاج “دورة تطرف” بدأت بالبنية الفكرية التي أرستها أدبيات الإخوان، لا سيما كتابات سيد قطب التي لا تزال تُعتبر المرجع التأسيسي للفكر التكفيري العابر للحدود.
اليوم، ترى واشنطن أن الإخوان ليسوا “البديل” للمتطرفين، بل هم “المرحلة التمهيدية” التي تسبق التطرف العنيف، مما يعني أن استهداف الجماعة فكرياً أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحرب على الإرهاب.
الإخوان كـ”خزان للأيديولوجيا”
تضع الوثائق الأمريكية الجديدة جماعة الإخوان في مركز “المنظومة المتطرفة”. فبينما ينشغل الغرب بملاحقة “الخلايا النائمة” والعمليات العسكرية ضد قادة التنظيمات المسلحة، أدرك صانع القرار الأمريكي أن هذه التنظيمات تظل قادرة على تجنيد الأتباع بفضل “البنية التحتية الفكرية” التي توفرها الجماعة.
لقد جادلت الوثائق بأن الإخوان نجحوا في خلق “بيئة حاضنة” تشرعن مفاهيم الولاء والبراء، والحاكمية، والعداء للمجتمعات الحديثة، وهي المفاهيم ذاتها التي تتبناها القاعدة وداعش.
وبناءً عليه، فإن أي جهد أمريكي لمكافحة الإرهاب يقتصر على المواجهة الأمنية دون تفكيك هذا “الخزان الفكري” هو جهد منقوص.
تأخير صرف المعاشات ما بين الأزمة و حب الظهور
هذا التوجه يعني أن الجماعة لم تعد تُعامل كفاعل سياسي يحتاج إلى الانخراط في اللعبة الديمقراطية، بل كمنظمة أيديولوجية تحتاج إلى “التحجيم” وتفكيك شبكاتها التي تعبث بالنسيج المجتمعي.
سقوط خرافة “الفصل بين السياسي والعسكري”
أحد أهم محاور التحول في الرؤية الغربية هو نسف خرافة وجود أجنحة “سياسية” و”عسكرية” منفصلة.
فالوثائق الأمريكية الحديثة تشير إلى أن التماهي بين الجناحين هو تماهٍ بنيوي؛ حيث توفر المظلة السياسية للإخوان الغطاء الشرعي والتمويلي واللوجستي، بل وحتى الحماية الأمنية للعناصر التي تنخرط لاحقاً في العمل المسلح.
الغرب بدأ يدرك أن الإخوان يمارسون “تقسيم العمل”؛ فبينما يتبنى الجناح السياسي خطاباً ديبلوماسياً موجهاً للخارج، يعمل الجناح الآخر أو “الخلايا الراديكالية” داخل التنظيم على بث الأيديولوجيا التي تُحول الشباب إلى متطرفين.
هذه القراءة تدفع واشنطن إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه الجماعة، واعتبار أي علاقة معها هي علاقة مع كيان يغذي التطرف بشكل غير مباشر أو مباشر.
التداعيات الجيوسياسية على التحالفات
لا ينفصل هذا التوجه الأمريكي عن المصالح الجيوسياسية. فالإدراك بأن الإخوان هم جزء من “معضلة التطرف” جعل الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط.
لم يعد من الممكن اعتبار الجماعة شريكاً في استقرار المنطقة، بل على العكس، أصبحت واشنطن ترى في صعود الجماعة أو تمكينها عاملاً لعدم الاستقرار، مما يدفعها لتعزيز علاقاتها مع الدول التي اتخذت مواقف مبدئية وحاسمة ضد هذا التنظيم.
إن هذا التحول في العقيدة السياسية الأمريكية يعزز من موقف الدول التي صنفت الجماعة “تنظيماً إرهابياً” منذ وقت مبكر.
لقد أصبحت اللغة الأمريكية الرسمية أكثر تقارباً مع لغة تلك الدول، مما ينهي مرحلة من “التجاذبات الفكرية” التي سادت لسنوات حول هوية الجماعة.
نحو استراتيجية شاملة للمواجهة
ما يميز المقاربة الأمريكية الجديدة هو الطابع “الشامل”. فهي لا تكتفي بالإدراج على قوائم الإرهاب فحسب، بل تمتد لتشمل مراقبة المؤسسات الخيرية، والمراكز التعليمية، والمنصات الإعلامية التي تدور في فلك الجماعة.
الهدف هنا هو “تجفيف المنابع الفكرية” بالتوازي مع “تجفيف المنابع المالية”.
إن الغرب، وفي قلبه الولايات المتحدة، قد وصل إلى قناعة بأن المعركة لم تكن يوماً مع “الرصاصة” فقط، بل مع “الفكرة” التي تطلق الرصاصة. وبما أن الإخوان هم “المصنع” الذي ينتج هذه الفكرة، فقد باتوا في بؤرة الاستهداف.
صحوة استراتيجية متأخرة
إن الوثيقة الأمريكية الجديدة (أو التحول الاستراتيجي في هذا السياق) تمثل اعترافاً ضمنياً بفشل سياسات الاحتواء.
فالرهان على أن الجماعة يمكن أن تتحول إلى “حزب سياسي محافظ” فشل، والرهان على أنها يمكن أن تكون “سداً منيعاً” أمام القاعدة وداعش ثبت خطأه.
اليوم، يجد الغرب نفسه أمام واقع جديد، حيث يدرك أن التنظيمات المسلحة الكبرى ليست سوى “أطراف” لشجرة ممتدة، بينما يظل الإخوان هم “الجذع” الذي يغذيها.
هذا التحول نحو “الاتهام الفكري” هو الخطوة الأكثر أهمية في الحرب على التطرف، إذ يعني أن المعركة انتقلت إلى عمق “المطبخ الأيديولوجي” الذي يُصنع فيه الإرهاب، وهو تطور قد يغير وجه التحالفات الدولية والسياسات الإقليمية في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.
من المدرجات إلى المجتمع.. التعصب آفة العصر



