محمد علاء منيعم يكتب : ماذا يحدث في مجتمعنا؟!

في كل مرة نسمع فيها عن جريمة قتل او مشاجرة تنتهي بمأساة او خلاف بسيط يتحول الى كارثة يتكرر السؤال نفسه ماذا حدث للمجتمع وكيف اصبحت بعض النفوس اكثر استعدادا للغضب والعنف من اي وقت مضى
لا اتحدث هنا عن دمياط وحدها ولكن لاننا جزء من هذا المجتمع ونعيش تفاصيله اليومية فان من واجبنا ان نتوقف امام ما يحدث بصدق ومسؤولية فدمياط التي عرفها الجميع مدينة للعمل والانتاج والحرفة والعلاقات الانسانية المتماسكة تستحق منا ان نناقش هذه الظواهر بعيدا عن المبالغة او الانكار
الحقيقة ان الجريمة ليست حدثا منفصلا عن محيطه بل هي في كثير من الاحيان نتيجة تراكمات طويلة تبدأ من تفاصيل صغيرة قد لا نلتفت اليها فعندما يضعف الحوار داخل الاسرة ويغيب الاحتواء ويتراجع دور الاب والام في التوجيه والمتابعة يصبح الابناء اكثر عرضة للتأثر بكل ما يحيط بهم من افكار وسلوكيات
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف واقعا جديدا لم نكن نعرفه من قبل فاصبحت المشاجرات تصور والخلافات تنشر والانفعالات تعرض امام الجميع واحيانا يتحول السلوك الخاطئ الى وسيلة للشهرة او لفت الانتباه ومع الوقت قد يختلط لدى البعض معنى القوة بمعنى العنف ومعنى الحضور بمعنى الصخب
ومن الامور التي تستحق التأمل ايضا ان حالة من عدم الرضا اصبحت تسيطر على كثير من الناس فالبعض ينظر الى ما في ايدي الاخرين اكثر مما ينظر الى ما يمكن ان يحققه بعمله واجتهاده وتتحول المقارنات المستمرة الى شعور دائم بالضيق والسخط بينما تتراجع ثقافة السعي والصبر والاخذ باسباب الرزق وعندما يغيب الرضا وتضعف القناعة ويحل الاحباط محل الطموح يصبح الانسان اكثر قابلية للغضب واقل قدرة على تحمل الضغوط والخلافات
ولا يمكن تجاهل خطر المخدرات التي اصبحت سببا مباشرا او غير مباشر في كثير من الجرائم فهي لا تدمر صحة الانسان فقط بل تضعف قدرته على التمييز وضبط النفس وتدفعه احيانا الى تصرفات لا يتخيل ان يقدم عليها وهو في كامل وعيه
كما ان ما يثير القلق حقا هو تراجع ثقافة الاختلاف الراقي فقد اصبح البعض يتعامل مع الرأي المخالف وكأنه اعتداء شخصيا ومع الخلاف الطبيعي وكأنه معركة يجب الانتصار فيها بأي وسيلة وهنا تتحول الكلمات الى خصومات والخصومات الى صدامات والصدامات الى مآس يدفع الجميع ثمنها
وربما لا يقل اهمية عن كل ما سبق تراجع حضور القدوة الحقيقية في حياة كثير من الشباب فالاجيال السابقة كانت تجد امامها نماذج واضحة من الاباء والمعلمين واصحاب الحرف والعلم والعمل اما اليوم فقد اصبحت الشهرة في بعض الاحيان تسبق القيمة واصبح البعض ينجذب الى نماذج تصنع حضورها بالضجيج لا بالانجاز وبالاستعراض لا بالعطاء
ومع ذلك فان الصورة ليست قاتمة كما يظن البعض فمجتمعنا ما زال يمتلك من الوعي والقيم والطاقات ما يمكنه من تجاوز هذه التحديات وما نحتاج اليه ليس فقط مزيدا من القوانين او الاجراءات وانما اعادة الاعتبار لمنظومة القيم التي قامت عليها مجتمعاتنا المصرية عبر عقود طويلة قيم العمل والاحترام والحوار والرحمة وتحمل المسؤولية
ان مواجهة العنف لا تبدأ في اقسام الشرطة والمحاكم فقط بل تبدأ داخل البيت وفي المدرسة وفي المسجد والكنيسة وفي وسائل الاعلام وفي كل مكان تتشكل فيه شخصية الانسان وعندما نستعيد ثقافة الحوار ونشجع العمل والانتاج ونمنح الشباب الامل والقدوة والفرصة سنجد ان كثيرا من اسباب العنف بدأت تتراجع من تلقاء نفسها
وستبقى دمياط كما كانت دائما قادرة على الحفاظ على هويتها وقيمها الاصيلة لان قوة المجتمعات لا تقاس بعدد المشكلات التي تواجهها بل بقدرتها على الاعتراف بها ومعالجتها قبل ان تتحول الى واقع يصعب تغييره



