أحمد مجاهد يكتب : أفريقيا وكأس العالم

منذ انطلاق بطولة كأس العالم، ظل الحضور الأفريقي يحمل في طياته الكثير من الطموحات والأحلام، حيث لم تكن مشاركة منتخبات القارة السمراء مجرد ظهور عابر في أكبر محفل كروي على وجه الأرض، بل كانت رحلة طويلة من التحديات والكفاح لإثبات قدرة الكرة الأفريقية على منافسة كبار اللعبة.
بدأت القصة رسميًا في مونديال 1934 عندما شارك منتخب مصر كأول ممثل للقارة الأفريقية في تاريخ البطولة، ليكتب اسمه بأحرف من نور كأول منتخب أفريقي وعربي يظهر في كأس العالم. ورغم الخروج المبكر آنذاك، إلا أن تلك المشاركة كانت بمثابة حجر الأساس لمسيرة طويلة امتدت لعقود.
وعلى مدار السنوات التالية، شهدت الكرة الأفريقية تطورًا ملحوظًا، لتتحول من مجرد ضيف على البطولة إلى منافس يحظى باحترام العالم. ففي مونديال 1982، خطف المنتخب الجزائري الأنظار بفوزه التاريخي على ألمانيا الغربية، أحد أبرز المرشحين للقب، في واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم عبر التاريخ.
وشهد مونديال 1990 بإيطاليا عودة منتخب مصر إلى كأس العالم بعد غياب دام 56 عامًا منذ مشاركته الأولى عام 1934، حيث قدم الفراعنة أداءً مشرفًا ونجحوا في فرض التعادل على هولندا بطلة أوروبا آنذاك، مؤكدين أن الكرة الأفريقية تمتلك القدرة على مقارعة كبار المنتخبات العالمية.
وفي النسخة ذاتها، شهدت القارة السمراء نقطة تحول فارقة عندما نجح منتخب الكاميرون بقيادة الأسطورة روجيه ميلا في بلوغ الدور ربع النهائي، ليصبح أول منتخب أفريقي يصل إلى هذا الدور، مؤكدًا أن أفريقيا أصبحت رقمًا صعبًا في معادلة كرة القدم العالمية.
وتواصلت الإنجازات في مونديال 2002، حين قدم منتخب السنغال واحدة من أروع القصص الكروية، بعدما أسقط حامل اللقب فرنسا في المباراة الافتتاحية، وواصل مشواره حتى الدور ربع النهائي، في إنجاز تاريخي رسخ مكانة الكرة الأفريقية عالميًا.
محمد منيعم يكتب: مصر والإمارات مصير واحد
أما مونديال 2010، الذي استضافته جنوب أفريقيا كأول دولة أفريقية تنظم البطولة، فقد شهد اقتراب منتخب غانا من كتابة التاريخ بعدما بلغ الدور ربع النهائي ووقف على بعد ركلة جزاء واحدة من التأهل إلى نصف النهائي، في واحدة من أكثر اللحظات درامية في تاريخ كأس العالم.
وفي مونديال 2018 بروسيا، عاد منتخب مصر إلى البطولة بعد غياب دام 28 عامًا، مدعومًا بجيل مميز يتقدمه النجم محمد صلاح، ورغم عدم التوفيق في النتائج، فإن مجرد التأهل أعاد الفراعنة إلى المشهد العالمي وأشعل حماس الجماهير الأفريقية والعربية، مؤكدًا استمرار الحضور المصري في سجل المونديال.
وفي نسخة 2022 بقطر، بلغ الحلم الأفريقي ذروته عندما نجح منتخب المغرب في تحقيق إنجاز غير مسبوق، بعدما أصبح أول منتخب أفريقي وعربي يصل إلى الدور نصف النهائي لكأس العالم، متفوقًا على مدارس كروية عريقة وأبطال سابقين للبطولة، ليؤكد أن الكرة الأفريقية لم تعد مجرد منافس طموح، بل أصبحت قوة حقيقية على الساحة الدولية.
وعلى مر العصور، قدمت القارة السمراء العديد من النجوم الذين تركوا بصمات خالدة في كأس العالم، أمثال روجيه ميلا، وصامويل إيتو، وديدييه دروجبا، وجاي جاي أوكوتشا، وأسامواه جيان، ومحمد صلاح، وأشرف حكيمي وغيرهم من الأسماء التي ساهمت في رفع راية أفريقيا عاليًا وإبراز مواهبها أمام العالم.
واليوم، لم تعد منتخبات أفريقيا تدخل كأس العالم بهدف المشاركة المشرفة فقط، بل أصبحت تطمح بجدية إلى المنافسة على اللقب ذاته، مستندة إلى تطور البنية الكروية، واحتراف لاعبيها في أكبر الدوريات العالمية، وتراكم الخبرات عبر العقود.
لقد قطعت أفريقيا رحلة طويلة من الحلم إلى الإنجاز، ومن الظهور التاريخي الأول لمصر عام 1934، مرورًا بإنجازات الجزائر والكاميرون والسنغال وغانا، وصولًا إلى ملحمة المغرب التاريخية في 2022، لتثبت للعالم أن القارة السمراء تملك من المواهب والإمكانات ما يؤهلها لكتابة فصول جديدة وأكثر إشراقًا في تاريخ كأس العالم خلال السنوات المقبلة.



