وجهة نظر

محمد علاء منيعم يكتب: احذروا الأجندات الموجهة

السوشيال ميديا لم تعد مجرد وسيلة للترفيه أو التعبير أو التسويق كما بدأت في بداياتها بل تحولت الى واحدة من اهم ادوات التأثير في المجتمعات وصناعة الرأي العام وتوجيه السلوك

في البداية كانت منصات التواصل مساحة مفتوحة للترفيه والتواصل والتعبير عن الرأي والتسويق للمنتجات والمشروعات والمواهب ثم تطورت لتصبح وسيلة مهمة للتوعية الثقافية والصحية والاجتماعية واصبح من الممكن ان تصل معلومة او فكرة الى ملايين الناس في دقائق

وهذا في حد ذاته تطور مهم وايجابي، لكن مع اتساع تأثير السوشيال ميديا ظهرت الوجه الاخر للمشهد، لم يعد كل ما نراه على هذه المنصات مجرد تصرفات فردية عشوائية او اخطاء منفصلة يقوم بها اشخاص يبحثون عن الشهرة والمشاهدات

ففي بعض الحالات يمكن ان تتحول المنصات الرقمية الى أدوات تستخدم في التوجيه وصناعة حالة عامة من التشكيك والاثارة والاستقطاب

هنا يجب أن ننتبه جيدا، لأن القضية لا تتعلق فقط بشخص يسيء أو حساب ينشر محتوى مبتذلا

القضية الاكبر هي في البيئة التي يمكن ان يصنعها هذا المحتوى عندما يتكرر بنفس النمط ويتم تضخيمه واعادة نشره حتى يبدو وكأنه ظاهرة طبيعية في المجتمع

التشهير، التشكيك، السخرية من الرموز، إهانة الشخصيات العامة، التشفي في مصائب الناس، التقليل من قيمة الاخر، نشر الشائعات، تقديم الانحراف عن قيم المجتمع باعتباره بطولة أو حرية شخصية، كل ذلك عندما يتحول الى نمط متكرر ومتزامن لا يجب ان نتعامل معه دائما باعتباره مجرد سلوك فردي

قد يكون خلف بعض هذه الظواهر استغلال منظم للمنصات او اجندات تسعى الى تحقيق اهداف تتجاوز صاحب المحتوى نفسه

الهدف هنا ليس بالضرورة اسقاط شخص بعينه بل يمكن ان يكون ضرب الثقة، فالمجتمع الذي يفقد ثقته في رموزه ومؤسساته ومكوناته وقيمه يصبح اكثر قابلية للفوضى والاستقطاب

من هنا تصبح معركة السوشيال ميديا في جانب منها معركة وعي

لذلك فإن مواجهة هذا النوع من المحتوى لا يجب ان تتوقف عند محاسبة الشخص الذي يظهر امام الكاميرا

إذا ثبت وجود من يحرضه أو يموله أو من يديره و يستخدمه لتحقيق اهداف هدامة فيجب ان تصل المواجهة الى مصدر التأثير نفسه وبالقانون

الضرب بيد من حديد يجب أن يكون على كل من يتجاوز القانون وعلى كل من يثبت تورطه في صناعة أو تمويل أو توجيه حملات تستهدف المجتمع أو تشوه الحقائق أو تحرض على الكراهية والفوضى

هنا يأتي دورنا نحن كافراد

فحتى لو كانت هناك أجندات تحاول توجيه المحتوى فإنها لن تنجح دون جمهور يمنحها المشاهدة والانتشار والتفاعل

المشاهد ليس مجرد متلق، هو  جزء من صناعة المشهد

عندما نشارك محتوى مهينا فنحن نساعد على انتشاره

عندما نحول مصيبة انسان الى مادة للضحك فنحن نمنحه مزيدا من الانتشار

عندما نشارك شائعة قبل التحقق منها فنحن نتحول من متلق الى اداة في نشرها

وعندما نرفض هذا النوع من المحتوى ونلفظه وندينه مجتمعيا فنحن نغلق أمامه واحدا من أهم مصادر قوته

وهنا يجب أن نتوقف أيضا عند بعض المحتوى الذي نراه على منصات مثل تيك توك وغيرها

فليس مقبولا ان تتحول معاناة الناس الى وسيلة لجمع المشاهدات او ان يصبح التشفي في مصائب الاخرين مادة للترفيه او ان تصبح اهانة الرموز والتقليل من المجتمع وسيلة لصناعة الشهرة، مثلما نرى نماذج من ذلك على مستوى مصر فإننا نرى بعض الصور منه في دمياط ايضا

المشكلة هنا ليست في شخص بعينه، المشكلة في نموذج كامل يحاول اقناع الناس بأن الاساءة هي حرية وان الابتذال هو شهرة وان التشهير هو نقد وان هدم الاخرين هو طريق النجاح

وهذا النموذج اخطر من صاحبه، لأن الشخص قد يختفي، لكن الفكرة التي زرعها يمكن أن تبقى

ولهذا فإن معركة السوشيال ميديا ليست معركة ضد التكنولوجيا ولا ضد حرية التعبير

إنها معركة من أجل الحفاظ على الوعي، نريد سوشيال ميديا للتثقيف لا للتجهيل، للتسويق لا للابتزاز، للنقد لا للتشهير، للشهرة من خلال الانجاز لا من خلال فضائح الناس

وفي النهاية يجب أن ندرك ان أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يسيء شخص إلى شخص آخر 

بل أن يصبح الاساءة أمرا طبيعيا في نظر المجتمع

وعندما يصبح التشهير ترفيها والتشكيك بطولة والتشفي محتوى والاهانة وسيلة للشهرة فإننا لا نواجه مجرد مشكلة سلوكية عابرة، نحن نواجه مشكلة في الوعي نفسه

لذلك فإن مواجهة المحتوى الهدام مسؤولية مشتركة

مسؤولية الدولة بالقانون

مسؤولية المنصات بالرقابة على المحتوى المخالف

مسؤولية المجتمع بالرفض والادانة

مسؤولية كل فرد في ان يسأل نفسه قبل أن يشارك أي محتوى

هل أنا انشر معلومة ؟! أم أنشر فتنة؟!

هل انا اشارك في صناعة وعي؟! أم أصبح أداة في أجندة لا أعرف أصحابها ولا أهدافها؟!

السوشيال ميديا سلاح ذو حدين، المجتمع الذي يملك الوعي يستطيع ان يجعل منها اداة للبناء

أما المجتمع الذي يفقد وعيه فقد تتحول المنصة التي صنعت للناس لكي يتحدثوا إلى منصة تستخدم للتحدث نيابة عنهم وتوجيههم دون أن يشعروا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى