وجهة نظر

محمد علاء منيعم يكتب: حين يتحول القسط الى مأساة

شركات التمويل جزء مهم من منظومة الاقتصاد الحديث والشمول المالي فهي تتيح للمواطن وصاحب المشروع الصغير الحصول على تمويل يساعده في شراء احتياجاته أو تشغيل مشروعه أو تطوير مصدر دخله بدلا من اللجوء الى طرق غير رسمية للاقتراض

لكن علاقة التمويل لا تنتهي عند منح القرض فهناك دورة كاملة تبدأ من دراسة العميل وقدرته على السداد ثم الموافقة وصرف التمويل ثم متابعة الأقساط والتحصيل

والتحصيل نفسه له وسائل متعددة تبدأ بالتذكير والمتابعة الهاتفية ثم التحصيل الالكتروني او البنكي وقد يصل في بعض الحالات الى التحصيل الميداني ثم التسويات واعادة الجدولة او اللجوء الى الإجراءات القانونية عندما يصل الأمر الى التعثر الحقيقي

وهنا يجب ان نضع خطا واضحا

تحصيل حق الشركة شيء، الضغط غير الإنساني على المواطن شيء آخر

الأمر نفسه ينطبق على الطرف المقابل

تعثر المواطن لا يمنحه الحق في الاعتداء على موظف جاء لأداء عمله

والواقعة التي شهدتها دمياط مؤخرا والتي تعرضت خلالها موظفة تعمل في مجال التحصيل لاعتداء بالغ الخطورة اثناء قيامها بتحصيل مستحقات مالية وانتهت بحسب التقارير المنشورة الى إصابة خطيرة في العين وفقدانها تفتح بابا مهما للنقاش يتجاوز مجرد إدانة المعتدي وهو أمر لا خلاف عليه

فمن يعتدي على موظف يؤدي عمله يجب ان يتحمل مسؤوليته كاملة أمام القانون

لكن السؤال الآخر الذي يجب ان نطرحه هو

هل إرسال موظف او موظفة للتحصيل الميداني يتم دائما وفقا لتقييم حقيقي لمخاطر الحالة؟

هل لدى شركات التحصيل بروتوكولات واضحة للتعامل مع العملاء المتعثرين؟

هل الموظف مدرب على إنهاء الزيارة فور تحول النقاش الى مشادة او تهديد؟

هل يتم التفريق بين العميل الذي يرفض السداد عمدا وبين المواطن الذي اقترض لأنه كان في حاجة حقيقية ثم ضاقت به الظروف ولم يعد قادرا على الوفاء في الموعد؟

هذه الأسئلة ليست دفاعا عن المتعثر ولا تبريرا للاعتداء، بل هي دفاع عن فكرة مهمة وهي ان التحصيل المالي يجب ان يظل عملية مهنية لا عملية مطاردة.

هناك مواطن يقترض لأنه يريد ان يبدأ مشروعا صغيرا.

وهناك من يقترض حتى يوفر احتياجات أسرته. 

وهناك من يتعثر لأن مشروعه خسر او لأن دخله انخفض او لأن ظروفا خارجة عن إرادته جعلته غير قادر على الوفاء بالقسط في موعده. 

هذا المواطن عندما يدخل دائرة التعثر لا يتحول الى شخص بلا كرامة

المال حق للشركة، والسداد التزام على العميل، لكن الكرامة حق للطرفين، وهنا تظهر مشكلة أخطر وهي ثقافة التارجت

الموظف في بعض منظومات التحصيل قد يكون أمام أرقام شهرية يجب تحقيقها وقد يرتبط تقييمه او حوافزه بمعدلات التحصيل

وهذا أمر مفهوم من الناحية التجارية

لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول التارجت من وسيلة لقياس الأداء الى مبرر لممارسة ضغط غير مقبول على المواطن

فإذا أصبح الموظف يشعر ان عليه تحصيل مبلغ معين بأي طريقة حتى يحصل على حافزه او يتجنب العقوبة الادارية فقد يتحول الأمر من تحصيل مهني الى ضغط نفسي واجتماعي

والأخطر عندما يدخل التشهير كوسيلة للضغط

أن تقول للعميل ان عليه سداد التزامه فهذا حق.

أن تخبره بالعواقب التعاقدية والقانونية فهذا حق. 

أن تتخذ الشركة الإجراءات القانونية لتحصيل مستحقاتها فهذا حق. 

أما تهديد المواطن بفضحه أمام أسرته او جيرانه او زملائه او تصويره على انه شخص سيئ لمجرد تعثره في السداد فهذه ليست مهنية وليست تحصيلا محترما

والهيئة العامة للرقابة المالية نفسها تضع حماية المتعاملين والمعاملة العادلة والشفافية والسلوك المهني ضمن المبادئ الأساسية للتعامل في القطاع المالي غير المصرفي كما تؤكد على عدم القيام بالممارسات المضللة او غير المهنية ووجود آليات للشكاوى وتسوية النزاعات (Fra⁠)

ومن هنا يجب ان نعيد تعريف معنى التحصيل، التحصيل ليس أن تكسر نفسية العميل حتى يدفع

التحصيل هو ان تحصل الشركة على حقها من خلال الوسيلة القانونية والمهنية الصحيحة، لو كان العميل قادرا ويرفض السداد فهناك إجراءات

وإذا كان متعثرا فهناك تفاوض وتسوية واعادة جدولة عندما تكون متاحة، فإذا فشلت الوسائل الودية فهناك المسار القانوني

أما ان يتحول المحصل الى خصم شخصي للعميل فهذا خطأ في فلسفة الإدارة قبل ان يكون خطأ من الموظف

والأهم من ذلك ان حماية موظف التحصيل يجب ان تكون جزءا من مسؤولية الشركة

لا يجوز ان ترسل موظفة بمفردها الى حالة عالية الخطورة دون تقييم مسبق

ولا يجوز ان يكون الموظف هو الحلقة الأضعف بين ضغط الإدارة من جهة وغضب العميل من جهة أخرى

الموظف ليس مسؤولا عن التارجت وحده، و العميل ليس رقما في كشف المتأخرات، كل منهما إنسان

من الخطأ ان نحول الواقعة الى معركة بين طرفين ونختار فيها طرفا ضد الآخر

نحن بحاجة الى منظومة تحمي الاثنين، تحمي الموظفة التي تخرج لتحصيل حق الشركة، تحمي المواطن الذي تعثر بسبب ضيق ذات اليد من الإهانة والابتزاز والتشهير، وتضع للشركة طريقا واضحا للحصول على حقوقها، تضع للموظف قواعد واضحة لما يجوز له وما لا يجوز، وتضع للعميل طريقا واضحا للاعتراض والشكوى والتظلم

أما الاعتداء على موظفة بهذه الصورة فهو جريمة لا يمكن تبريرها بوجود دين، وفي الوقت نفسه فإن وجود دين لا يجعل كل أساليب التحصيل مباحة

هذه هي الدولة التي نريدها، دولة لا تضيع فيها حقوق الشركات

ولا تهدر فيها كرامة المواطنين، لا يضطر فيها موظف التحصيل الى المخاطرة بنفسه من أجل رقم في تقرير التارجت

لا يشعر فيها المواطن ان تعثره المالي أسقط عنه حقه في الاحترام، فالتمويل في النهاية وسيلة لمساعدة الاقتصاد والمواطن وليس وسيلة لتحويل ضيق ذات اليد الى مأساة جديدة، والتحصيل الناجح ليس الذي يخيف الناس

بل الذي يحصل الحقوق بالقانون ويحافظ في الوقت نفسه على الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى