عاش الشعب المصري لعقود طويلة حالة خاصة مع كرة القدم فهي ليست مجرد لعبة بل مساحة للفرح الجماعي والهروب من ضغوط الحياة من يستطيع ان ينسى انجازات حسن شحاتة وثلاثيته التاريخية في كأس الامم الافريقية او لحظات مشاركة منتخب مصر في كأس العالم او هدف مجدي عبد الغني الذي ظل حاضرا في ذاكرة المصريين لسنوات او ما يقدمه محمد صلاح من صورة مشرفة لمصر عالميا كما فرحت الجماهير بانتصارات النادي الاهلي القارية ومشاركاته العالمية وكذلك تتويج نادي الزمالك بالبطولات القارية كانت كرة القدم دائما مصدرا للوحدة والانفعال الجميل والشغف الشعبي
لكن مع مرور الوقت تغيرت اشياء كثيرة فما كان يعرف قديما بالتحفيل باعتباره نوعا من المزاح الخفيف والمنافسة الساخرة بين الجماهير تحول تدريجيا الى حالة من التعصب الحاد والانفلات الاخلاقي لم يعد الامر مجرد تشجيع او انتماء رياضي بل اصبح لدى البعض حالة عدائية تجاه الآخر وكأن المنافس خصم يجب تحطيمه معنويا وانسانيا
ومع ظهور بعض روابط الاولتراس خرجت الفكرة عن اطار التشجيع الرياضي لدى فئات معينة وتحولت الى محاولة فرض النفوذ داخل الاندية والتأثير على قراراتها بل وتكوين كيانات شعرت في لحظة ما انها فوق الدولة والقانون وهنا كان تدخل الدولة ضرورة لحماية الاستقرار ومنع تحول الملاعب الى ساحات فوضى وصدام فتم تطبيق القانون ومواجهة هذه الظاهرة بحزم
ورغم انتهاء الشكل التنظيمي الصدامي لتلك الجماعات فإن آثارها الفكرية والسلوكية ما زالت حاضرة حتى الآن فقد انتقلت حالة التعصب من المدرجات الى مواقع التواصل الاجتماعي ثم تسربت الى قطاعات مختلفة من الحياة العامة اصبح البعض يتعامل مع الاختلاف السياسي او الفكري او الاجتماعي بنفس منطق التشجيع المتعصب حيث الالغاء والسخرية والتشويه بدلا من الحوار واحترام الرأي الآخر
سارة فيالة تكتب : الزاوية الميتة ومكافآت الظل
والاخطر ان هذا المناخ ساهم في انتشار الفاظ الاسفاف والانحدار الاخلاقي حتى باتت الاهانة والسخرية وسيلة للتفاعل عند بعض الفئات في ظل تراجع واضح لمنظومة الوعي والثقافة واحترام الاختلاف فالتعصب حين يبدأ في الرياضة ولا تتم مواجهته فكريا وتربويا يتحول بالتدريج الى اسلوب حياة يهدد تماسك المجتمع
ان مواجهة التعصب لا تكون فقط بالعقوبات او الاجراءات الامنية رغم اهميتها بل تحتاج الى مشروع وعي متكامل يبدأ من الاسرة والمدرسة والاعلام والمؤسسات الدينية والثقافية يجب اعادة ترسيخ فكرة ان الاختلاف لا يعني العداء وان المنافسة لا تعني الكراهية وان قوة المجتمع الحقيقية تظهر في قدرته على تقبل التنوع واحترام الآخر
كما ان للاعلام الرياضي دورا بالغ الخطورة فإما ان يكون اداة لتهدئة الجماهير ونشر الروح الرياضية او يتحول الى منصة لاشعال الفتن وزيادة الاحتقان من اجل نسب المشاهدة والتفاعل لذلك فإن الخطاب الاعلامي المسؤول اصبح ضرورة وطنية وليس مجرد خيار مهني
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الشباب لأن الرياضة في جوهرها اخلاق قبل ان تكون نتائج وبطولات فلا قيمة لانتصار يتحول بعده المجتمع الى ساحة من الكراهية والسباب ولا معنى لتشجيع يفقد الانسان احترامه لنفسه وللآخرين
مصر التي فرحت دائما بكرة القدم تستحق ان تستعيد جمال التشجيع وروح المنافسة النظيفة بعيدا عن التعصب والاسفاف حتى تبقى الرياضة وسيلة لبناء الانسان لا لهدم القيم


