حسام السيسي يكتب: كيف يضللنا التحليل الرغبوي في قراءة الصراعات الوجودية؟ قراءة نقدية في أوهام “السقوط التلقائي” لإسرائيل

كشفت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط عن مفارقة فكرية لافتة؛ فبعد عقود من هيمنة مقولة “إسرائيل لا تُقهر”، ظهر في المقابل خطاب آخر لا يقل تبسيطاً، يذهب إلى أن إسرائيل تقف على حافة الانهيار، وأن توقف الدعم الأمريكي لفترة قصيرة قد يكون كافياً لإنهاء وجودها.
والمشكلة أن الطرحين معاً ينطلقان من المنهج المأزوم نفسه: استبدال التحليل بالرغبة.
فمن يعتقد أن إسرائيل قوة أسطورية لا تُهزم يقع في الوهم، ومن يعتقد أن إسرائيل ستختفي خلال شهر بمجرد تعرضها لصدمة استراتيجية يقع في وهم آخر لا يقل خطورة.
الفارق بين “تراجع الردع” و”انهيار الدولة”
الحرب الحالية كشفت بالفعل حدود القوة الإسرائيلية؛ كشفت أن الردع ليس مطلقاً، وأن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية يمكن اختراقها، وأن المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة متجانسة كما كان يُصوَّر. لكن الانتقال من هذه الحقائق إلى استنتاج أن الدولة نفسها على وشك الزوال هو قفزة تحليلية لا تسندها الوقائع.
التحليل الاستراتيجي يفرض التمييز بين تراجع الردع وبين انهيار الدولة. كما يفرض التمييز بين الأزمة الوجودية وبين العجز عن إدارتها.
إسرائيل منذ تأسيسها لم تعش في بيئة مستقرة؛ لقد خاضت حروباً كبرى، وواجهت انتفاضات، وتعرضت لهجمات صاروخية متكررة، وعاشت انقسامات سياسية حادة. ومع ذلك، استمرت مؤسساتها في العمل، واستمرت قدرتها على التعبئة العسكرية، وحافظت على درجة عالية من التماسك المؤسسي.
معيار الهشاشة في الشرق الأوسط
وهنا يبرز سؤال منهجي كاشف: إذا كان معيار البقاء والاستمرار هو مجرد الخوف، أو فقدان الرفاهية النفسية، أو الهشاشة الداخلية، فكم دولة في الشرق الأوسط كان يفترض أن تنهار قبل إسرائيل؟
إن الحقيقة الجيوسياسية الصادمة تخبرنا بأن هناك دولاً في الإقليم تعاني اليوم من هشاشة بنيوية قاتلة، بل إن عواصم عربية قد انهارت بالفعل وتفككت سيادتها ومؤسساتها دون أن تخوض حرباً خارجية واحدة، أو تتعرض لربع ما يتعرض له الخصم.
في المقابل، نجد أن إسرائيل وجدت نفسها خلال هذه الحرب تحارب على سبع جبهات متزامنة ومفتوحة (غزة، الضفة، لبنان، اليمن، العراق، سوريا، وإيران)، محاطة بطوق من النيران وشبكات إقليمية متعددة، إضافة إلى ضغوط سياسية واقتصادية ودبلوماسية غير مسبوقة.
ورغم هذا العبء العسكري غير التقليدي، لم نشهد انهياراً في بنية الدولة الصلبة، ولا انقساماً عمودياً في الجيش، ولا فقداناً للسيطرة المركزية على القرار.
هذا التباين لا يعني دمجاً للرواية الصهيونية أو ادعاءً بأنها قوة سرمدية، بل يعني بالبرود التحليلي الصارم أن “قدرة المؤسسات والدولة العميقة على الصمود وإدارة الأزمات الوجودية” هي المعيار الحقيقي للبقاء، وأن الرهان على سقوطها التلقائي السريع لمجرد أنها تمر بأزمة استراتيجية هو انعكاس لقصور معرفي يخلط بين “تراجع الردع” وبين “تفكك الدولة”.
تهافت المقارنات التاريخية وسيناريو “الماسادا”
من هنا تبدو بعض المقارنات التاريخية مضللة؛ فالتشبيه بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا يتجاهل اختلافات جوهرية:
- في جنوب أفريقيا: كان بالإمكان إنهاء نظام سياسي مع بقاء الدولة والمجتمع.
- في الحالة الإسرائيلية: تنظر قطاعات واسعة من المجتمع إلى الصراع باعتباره صراعاً وجودياً لا صراعاً على شكل النظام السياسي فقط.
كما أن الحديث عن “الهجرة العكسية” بوصفها مقدمة لانهيار سريع يتجاهل أن المجتمعات التي تشعر بالتهديد الوجودي قد تتجه أحياناً إلى مزيد من التماسك والتشدد بدلاً من التفكك، وهذا ما شهدته تجارب تاريخية عديدة، بما فيها التجربة الإسرائيلية نفسها؛ حيث تؤول الدفة في النهاية للكتل الأكثر راديكالية وعقائدية التي لا تملك ترف “حقيبة البديل الغربي”.
الأخطر من ذلك، أن التقديرات الرغبوية لا تبقى مجرد أخطاء أكاديمية داخل الغرف المغلقة، بل تتحول أحياناً إلى أساس لبناء مواقف سياسية واستراتيجية خاطئة؛ فالخصم الذي يُقرأ باعتباره منهاراً، قد يفاجئ الجميع بقدرته على التكيف وإعادة إنتاج قوته العنيفة.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستنهار إسرائيل خلال شهر؟
السؤال الأهم والأكثر عمقاً هو: هل تكشف الحرب عن بداية تآكل طويل الأمد في عناصر القوة الإسرائيلية، أم أنها مجرد أزمة أخرى ستنجح مؤسسات الدولة في استيعابها كما فعلت في محطات سابقة؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين التحليل الاستراتيجي البارد وبين الأمنيات السياسية العاطفية.
فالدول لا تسقط لأن خصومها يريدون ذلك، ولا تبقى لأن أنصارها يتمنون ذلك؛ ما يحسم مصير الدول في النهاية هو قدرتها على إدارة أزماتها الوجودية، والحفاظ على تماسك مؤسساتها، والتكيف مع التحولات الكبرى في البيئة الدولية والإقليمية.
أما الرهان على السقوط التلقائي السريع، فقد أثبت التاريخ مراراً أنه أحد أكثر الرهانات السياسية تكلفة وخطورة.
#كمائن_الحقيقة
…..
تنويه
“هذا الطرح محاولة لتأسيس قراءة قائمة على المنطق الإبستمولوجي في تفكيك قضايا الصراع والردع الإقليمي؛ تهدف بالأساس إلى رصد الأطر المعرفية التي تُبنى عليها التقديرات الاستراتيجية، وفرز الفوارق البنيوية بين أزمات الأنظمة المتغيرة ومقومات بقاء الدول في أوقات الحروب الشاملة، بعيداً عن الانحيازات الظرفية أو القراءات الرغبوية القاصرة.”